ابن الجوزي

367

كتاب ذم الهوى

الباب الأربعون في ذكر الحيل والمخاطرات بالنفوس وإلقائها في الهلاك لأجل المحبوب أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك عبد الجبار ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي ، قال : أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال : حدثنا علي بن الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا أبو العباس الكريمي ، قال : أنبأنا السّليمي ، عن محمد بن نافع مولاهم ، عن أبي ريحانة أحد حجّاب عبد الملك بن مروان ، قال : كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوسا عاما ، فبينا هو جالس في مستشرف له ، وقد أدخلت عليه القصص ، إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة ، فيها : إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة أن تغني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيّ ما شاء من حكمه ، فعل . فاستشاط من ذلك غضبا ، وقال : يا رباح عليّ بصاحب هذه القصة . فخرج الناس جميعا ، فأدخل عليه غلام كما قدّر كأهيأ الفتيان وأحسنهم ، فقال له عبد الملك يا غلام : أهذه قصتك ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : وما الذي غرّك مني ، واللّه لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة . عليّ بالجارية . فجيء بجارية كأنها فلقة قمر ، وبيدها عود ، فطرح لها كرسيّ وجلست . فقال عبد الملك : مرها يا غلام . فقال لها : غنّيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح : لقد كنت حسب النفس لو دام ودّنا * ولكنّما الدنيا متاع غرور وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى * بأنعم حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتى بدت لنا * بطون الهوى مقلوبة بظهور قال : فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا ، ثم قال له عبد الملك : مرها تغنيك الصوت الثاني . فقال : غنيني بشعر جميل :